علي بن محمد التوحيدي

300

أخلاق الوزيرين ( مثالب الوزيرين الصاحب ابن عباد وابن العميد )

ورفقا به في مخاتلته ، فقال : أيها الصاحب ! ولم تتّقد وتشتطّ ، ولم تلتهب وتختلط ؟ كيف يكون القرآن عندي آية ودلالة على النبوّة ، ومعجزة من جهة نظمه وتأليفه ؟ وإن كان النظم والتأليف بديعين غريبين ، وكان البلغاء ، فيما تدّعي ، عنه عاجزين ، وله مذعنين ، وها أنا أصدق عن نفسي وأقول : عندي أن رسائلك وكلامك وفقرك وما تؤلّفه وتباده به نظما ونثرا هو فوق ذلك أو مثل ذلك ، أو قريب منه ؛ وعلى [ كلّ ] « 1 » حال فليس يظهر لي أنه دونه ، وأنّ ذلك يستعلي عليه بوجه من وجوه الكلام ، أو بمرتبة من مراتب البلاغة . فلما سمع ابن عبّاد هذا فتر وخمد ، وسكن عن حركته ، وانخمص ورمه به وقال : ولا هكذا أيضا يا شيخ ، كلامنا حسن وبليغ ، وقد أخذ من الجزالة حظّا وافرا ، ومن البيان نصيبا ظاهرا ؛ ولكنّ القرآن له المزية التي لا تجهل ، والشرف الذي لا يخمل ؛ وأين ما خلقه اللّه تعالى على أتمّ حسن وبهاء ، مما يخلقه العبيد بتطلّب وتكلّف ؟ هذا كلّه يقوله ، وقد خبا حميّه ، وتراجع مزاجه ، وصارت ناره رمادا ؛ مع إعجاب شديد قد شاع في أعطافه ، وفرح غالب قد دبّ

--> ( 1 ) عن الإرشاد .